الشيخ محمد رشيد رضا

250

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أحدا كان قبله في مكان أو عمل أو ملك - وفي الخطاب وجهان ( أحدهما ) أنه للبشر جملة والمعنى أنه تعالى جعلهم خلفاءه في الأرض بالتبع لأبيهم آدم على ما تقدم في سورة البة أو جعل سنته فيهم أن تذهب أمة وتخلفها أخرى ( ثانيهما ) أن الخطاب للأمة المحمدية وأنه جعلهم خلفاء لمن سبقهم من الأمم في الملك واستعمار الأرض وهذا هو الراجح المختار ويؤيده قوله تعالى بعد ذكر اهلاك الون الخالية ( 10 : 14 ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) وفي معناها آيات أخرى وقال تعالى ( 24 : 53 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) وهذا استخلاف خاص وذلك عام . والمعنى ان ربكم الذي هو رب كل شيء هو الذي جعلكم خلائف هذه الأرض بعد أمم سبقت ولكم في سيرتها عبر ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الخلق والخلق والغنى والف ، والقوة والضعف . والعلم والجهل ، والعقل والجهل « 1 » والعز والذل ، ليختبركم فيما أعطاكم أي يعاملكم معاملة المختبر لكم في ذلك فيبني الجزاء على العمل بمعنى أن سننه تعالى في تفاوت الناس فيما ذكرنا من الصفات الوهبية والاعمال الكسبية هي التي يظهر بها استعداد كل منهم ودرجة وقوفه في تصرفه في النعم والنقم عند وصايا الدين وحدود الشرع ووجدان الاطمئنان في القلب والحقوق والواجبات تختلف باختلاف أحوال الناس في تلك الدرجات ، وسعادة الناس أفرادا وأسرا وأمما وشقاوتهم في الدنيا والآخرة تابعة لاعمالهم وتصرفاتهم في مواهبهم ومزاياهم وما يبتليهم به تعالى من النعم والنقم ، ولا شيء مما يطلبه الناس من سعادة الدنيا ونعمها أو رفع نقمها أو من ثواب الآخرة والنجاة من عذابها الا وهو منوط بأعمالهم التي ابتلاهم بها بحسب ما ره شرعه المبني على توحيده المجرد ، ومضت به سننه في نظام الأسباب والمسببات ، فبقدر علمهم وعملهم بالشرع وسنن الكون والاجتماع البشري يكون حظهم من السعادة فهذه الهداية الاجتماعية مرة لعقيدة التوحيد وهادمة لقواعد الشرك التي هي عبارة عن اتكال الناس واعتمادهم على ما اتخذوا بينهم وبين ربهم من الوسطاء ليبوهم اليه ويشفعوا لهم عنده فيما يطلبون من نفع ودفع ضر كما تقدم شرحه ولهذا ترى هؤلاء المشركين من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون أشقى الناس وأبعدهم عن نيل مآربهم ، وترى خصومهم دائما ظافرين

--> ( 1 ) الجهل يطلق بمعنى ضد العلم وبمعنى ضد العقل والحلم كالخفة والطيش